السيد هادي الخسروشاهي
143
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
مسايرة أرقى أنواع الحضارات والمدنيات . هذا هو تاريخ الخلاف في الفقه والتشريع ، بدأ خلافاً علمياً مهذّباً ، فكان بركةً وفتحاً مبيناً ، ثم تطوّر إلى عصبية مذهبية عمياء ، فكان جموداً وركوداً ، وكان سبباً في انسلاخ كثير من الشعوب الإسلامية من تشريعها ، ثم أخذ يعود إلى هدوئه وسنّته الأولى ، فاستروحنا منه روح النهضة والتجدّد ، وابتدأنا نلتفت إليه ، ونعتزّ به ، وننادي بأنّه فكرتنا ومنهاجنا في الحياة . هكذا كان شأن الفقه ، فماذا كان شأننا في غير هذه الدائرة ؟ ماذا كان شأننا في المعارف الفكرية والقضايا التي أثارها الخلاف الطائفي والكلامي ؟ لقد بكرت هذه الخلافات على المسلمين منذ أول الأمر كما قلنا ، وكانت عنيفة حادّة ، وكانت في نفس الوقت متلوّنة بألوان مختلفة ؛ تبعاً لما كان يمدّها من السياسة والأهواء ، ولما كان يغذّيها من الثقافات المختلفة ، وظلّت هكذا تتزايد وتقوى وتتّسع آفاقها ، ويتفاقم شرّها ، حتّى أصبح المسلمون فرقاً شتّى وطوائف مبعثرة ، بل أصبحت الأمة الواحدة متشعّبة إلى فرق ، والفرقة الواحدة متشعّبة إلى شعب ، وكلّهم متقاطعون متدابرون ، ينظر بعضهم إلى بعضهم كأنّهم أرباب أديان مختلفة ، فلا تعاون ولا تزاوج ولا تبادل للأفكار ، كلّ طائفة عاكفة على ما عندها ، متعصّبة له ، نافرة عمّا سواه تعتقد أنّها على الحقّ ، وأنّ سواها على الباطل ، وإذا تقاربت منها طائفتان أو أكثر في بلاد واحدة احتكّ بعضها ببعض وهاج بعضها على بعض ، وكثيراً ما أفضى ذلك إلى سفك الدماء ، وتخريب البيوت ، وعداوات الأسر والطوائف ممّا نشهده بأعيننا ونسمعه بآذاننا في الحين بعد الحين . وساعد على ذلك المستعمرون الذين يهمّهم أن تتقطّع أسباب المودّة ، وعوامل الائتلاف بين المسلمين ليسودوا عليهم في بلادهم ، وليكونوا هم قبلة المختلفين ، والحكم الأعلى بين المتنازعين ، وهكذا طاوع المسلمون هذه الأساليب الاستعمارية الماكرة ، فزادوا من حدّة الخلاف بينهم ، وتراموا بالكفر والفسوق